صديق الحسيني القنوجي البخاري

98

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا أي إذا قال لهم القائل من المؤمنين : قد نزل فيكم ما نزل من القرآن فتوبوا إلى اللّه ورسوله وتعالوا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ أي حركوها استهزاء بذلك ، قال مقاتل : عطفوا رؤوسهم رغبة عن الاستغفار ، وقيل : إعراضا عنه واستكبارا ، قرأ الجمهور : لووا بالتشديد وقرىء بالتخفيف ، واختار الأولى أبو عبيد وهما سبعيتان . وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ أي يعرضون عن قول من قال لهم تعالوا الخ ، أو يعرضون عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجملة : وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ في محل نصب على الحال من فاعل الحال الأولى ، وهي يصدون لأن الرؤية بصرية ، فيصدون في محل نصب على الحال ، والمعنى رأيتهم صادين مستكبرين عن الاعتذار والاستغفار ، ولما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحب صلاحهم ، وأن يستغفر لهم ، وربما ندبه إلى ذلك بعض أقاربهم ، قال تعالى منبها له على أنهم ليسوا بأهل للاستغفار لأنهم لا يؤمنون : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أي الاستغفار وعدمه سواء لا ينفعهم ذلك لإصرارهم على النفاق ، واستمرارهم على الكفر ، وهذا تيؤس له من إيمانهم . لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ أي ما داموا على النفاق إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي الكاملين في الخروج عن الطاعة ، والانهماك في معاصي اللّه . ويدخل فيهم المنافقون دخولا أوليا ثم ذكر سبحانه بعض قبائحهم فقال : [ سورة المنافقون ( 63 ) : الآيات 7 إلى 11 ] هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ( 7 ) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 8 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 9 ) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 10 ) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 11 ) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ استئناف جار مجرى التعليل لفسقهم أو لعدم هداية اللّه لهم والمعنى يقولون لأصحابهم من الأنصار المخلصين في الإيمان وصحبتهم للمنافقين بحسب ظاهر الحال . لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ الظاهر أنه حكاية ما قالوه بعينه ، لأنهم منافقون مقرون برسالته ظاهرا ؛ ولا حاجة إلى أنهم قالوه تهكما أو لغلبته عليه حتى صار كالعلم كما قيل ، ويحتمل أنهم عبروا بغير هذه العبارة فغيرها اللّه إجلالا لنبيه صلى اللّه عليه وسلم .